صديق الحسيني القنوجي البخاري
230
أبجد العلوم
احفظه من نوائب الدنيا وطوائحها واجعل عواقب أموره أحسن من فواتحها ، وكتابه هذا قد حوى من الفوائد النفيسة والعوائد الجديدة ما لم تحوها الدفاتر . وجمع من أفنان الفنون الغريبة والمطالب الغزيرة ما لم تجمعه كتب المعاصرين كابرا عن كابر ، حرره تحريرا بالغا ، فمن حفظه صار في الأقران نابغا ، وهو بعبارة سهلة المساق أشهى من قطائف النعيم وإشارة عذبة المذاق ، أهنى وأمرى من مياه التسنيم ، وبيان واضح أطيب من أرج النسيم ، واستعارة طيبة أطرب من وجه وسيم ، مع ما اشتمل عليه من إيضاحات مستملحة ، وتلويحات موشحة ، وتحرير مهذب ، وتقرير مستعذب ، قلما اشتمل عليها كتاب ، واحتوى عليها خطاب ، فهو كتاب وأي كتاب ، وعباب من العلم الوافر وأيّ عباب ، صحيفة غراء لم ينسج بعد على منوالها ، ونسخة كالغيد العذراء لم تسمح طبيعة بمثالها ، بل ما روى الراوون نحوها ، ولا رأى الراءون صنوها فيها ما لم تطلع عليه أذهان عالية ، ولم تعها إذن واعية إلى الآن كأنها حور مقصورات في الخيام لم يطمثها قبل ذلك إنس ولا جان ، إذا رأيتها حسبتها لؤلؤا منثورا ، أو حوجمة سقيت من كأس كان مزاجها كافورا ترتيبه الأنيق يزري بعقد الدرر ، وتأليفه الرشيق يفضح حديقة الزهر ، فاق في الصفا على الرحيق ، وأربى في القنوء على العقيق ، كيف وهو صنيع البحر الخضم ، والنحرير الأشم ذي العلم البارع ، والفضل الرائع المتمسك بالكتاب والسنّة ، المبتّك لسدى الشرك والبدعة بلسانه الشديد المنّة يقتبس المفسرون من نوره ، ويطلي المحدثون بحروره ، يهرع الفضلاء ليقتنصوا من شوارد أفكاره ، ويسرع العلماء ليلتمسوا من أوابد أنظاره ، تمكن من أعنة البيان ما لم يتمكن عليه الأعيان ، فجاء في عصره عديم النظير فيما يكون وكان وقد سحب بفصاحته في البيان ، ذيل الخمول والنسيان على سحبان ، اغترف الأدباء من فضالته ، واهتدى البلغاء بدلالته ، إليه تسند غرر البيان ودرره ، وإليه تضاف ملح الإنشاء ونوادره ، ولا ريب أنه أعجوبة هذا الزمان في جمع العلوم وتأليف الفنون ، ومن رآه ورأى حاله في ذلك لم يشك ولم يجحده إلا أن يمسه ريب المنون وعيب بالجنون . وبالجملة فلما فرغ من تأليفه صدر الأمر المطاع من حضرة الرئيسة المعظمة ذات الباع بطبعه في المطبعة المنسوبة إليه المعنونة ( بالصديقية ) وهي التي جددت العلم الدارس في المدارس ، وأنعمت على كل راجل وفارس ، أعني لسلاح الإسلام فرند ، الرئيس البطل الأعظم من الطبقة العليا التي لكواكب الهند ، حاملة لواء الرئاسة والسياسة ، ذات الفهم والذكاء والفراسة والحراسة ، حامية حوزة الدين المبين ، ماحية آثار البدع والمحدثات والشرك المهين ، سالكة النهج القويم ، ناهجة الأسلوب الحكيم ، واهبة النعم والنعم حضرتنا